عبد الله بن أحمد النسفي

198

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

الفتور وَلا نَوْمٌ عن المفضّل « 1 » : السّنة ثقل في الرأس ، والنعاس في العين والنوم في القلب ، وهو تأكيد للقيوم لأنّ من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيّوما ، وقد أوحي إلى موسى عليه السّلام قل لهؤلاء إني أمسك السماوات والأرض بقدرتي ، فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وملكا مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ليس لأحد أن يشفع عنده إلّا بإذنه ، وهو بيان لملكوته وكبريائه ، وأنّ أحدا لا يتمالك أن يتكلّم يوم القيامة إلّا إذا أذن له في الكلام ، وفيه رد لزعم الكفّار أنّ الأصنام تشفع لهم يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ما كان قبلهم وما يكون بعدهم ، والضمير لما في السماوات والأرض لأنّ فيهم العقلاء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ من معلومه ، يقال في الدعاء اللهم اغفر علمك فينا ، أي معلومك إِلَّا بِما شاءَ إلا بما علم وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي علمه ، ومنه الكرّاسة لتضمنها العلم ، والكراسيّ العلماء وسمّي العلم كرسيّا تسمية بمكانه الذي هو كرسيّ العالم ، وهو كقوله تعالى : رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً « 2 » وملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسيّ الملك ، أو عرشه كذا عن الحسن ، أو هو سرير دون العرش ، في الحديث : ( ما السماوات السبع في الكرسي إلّا كحلقة ملقاة بفلاة وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة ) « 3 » أو قدرته بدليل قوله : وَلا يَؤُدُهُ ولا يثقله ولا يشقّ عليه حِفْظُهُما حفظ السماوات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُّ في ملكه وسلطانه الْعَظِيمُ في عزه وجلاله ، أو العلي المتعالي عن الصفات التي لا تليق به ، العظيم المتصف بالصفات التي تليق به ، فهما جامعان لكمال التوحيد ، وإنّما ترتبت الجمل في آية الكرسي بلا حرف عطف لأنّها وردت على سبيل البيان ، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه ، والثانية لكونه مالكا لما يدبره ، والثالثة لكبرياء شأنه ، والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق ، والخامسة لسعة علمه وتعلّقه بالمعلومات كلّها ، أو لجلاله وعظم قدره ، وإنّما فضّلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد ، منه ما روي عن عليّ رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : ( من قرأ

--> ( 1 ) المفضل : هو المفضل بن محمد بن مسعر بن محمد التنوخي المعري ، أبو المحاسن ، قاض من أدباء النحاة وكان معتزلا شيعيا ، حدث بدمشق وولي قضاء بعلبك مات عام 442 ه ( الأعلام 7 / 280 ) . ( 2 ) غافر ، 40 / 7 . ( 3 ) ذكره البغوي وقال : في جنب الكرسي ، وذكره الخازن عن السدي وقال : في جوف الكرسي ، وليس عندهما : وفضل العرش على الكرسي . وذكر ابن جرير نحوه عن ابن زيد عن أبي ذر .